الشيخ محمد رشيد رضا
390
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المقام ( 7 : 188 قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ ، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) والاختلاف بين الآيتين في تقديم ذكر الضر على النفع وتأخيره لاختلاف المقام ، فقد قدم الضر في آية يونس لأنها جواب للمشركين عن ميعاد العذاب الذي أنذروا به ، وهو من الضر ، وقدم النفع في آية الأعراف لان المقام بيان الحقيقة في نفسها ، وهو ان الرسول لا يملك لنفسه شيئا من التصرف في الكون بغير الأسباب العامة فضلا عن ملكه لغيره ، والمناسب في هذا تقديم النفع لأنه هو المقصود بالذات من تصرف الانسان وسعيه لنفسه . وقيل إن الاستثناء متصل وحينئذ يكون المنفي المستثنى منه عاما لما يملكه الانسان بالأسباب العادية فيكون المعنى إلا ما شاء اللّه تعالى ان أملكه بما أعطاني من الكسب الاختياري مع تيسير أسبابه لي ، وأما الآيات الخارقة للعادة فهي للّه وحده ، لا مما يملكه رسله وقد أجاب سبحانه عن هذا السؤال بقوله لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ لبقائها وهلاكها علمه اللّه وقدره لها لا يعلمه ولا يقدر عليه غيره إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ أي فلا يملك رسولهم من دونه تعالى أن يقدمه ولا أن يؤخره ساعة عن الزمان المقدر له وإن قلّت ، ولا أن يطلب ذلك منه تعالى ، وهو معنى ما تدل عليه السين والتاء في الأصل - وقد حققنا معنى هذا النص في آية سورة الأعراف ( 7 : 34 ) بلفظه فاستغرق أربع ورقات من جزء التفسير الثامن فليراجعه من شاء ، إلا أنه قال هنالك ( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ) الخ وقال هنا ( إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ) الخ والفرق بينهما ان ماهنا أبلغ في نفي تأخير الوعيد لأنه تفنيد لاستعجالهم به ، وذلك أنه جعل الجملة الشرطية وصفا للأجل مرتبطا به مباشرة لا يتخلف عنه ، وما هنالك إخبار بآجال الأمم مبتدأ وما بعده تفريع عليه ، فهو لا يدل على لزومه له بلا مهملة كالذي هنا . وقد تكرر هذا السؤال من المشركين مع جوابه في سور أخرى ، وأشبهه بما هنا سياق سورة النمل وأجيب فيها بقوله